السيد محمد باقر الصدر
24
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
وينبغي أن يكون واضحاً أنّ الفصل بين الاتّجاهين المذكورين ليس حدّياً على مستوى الواقع العملي والممارسة التاريخية لعملية التفسير ؛ لأنّ الاتّجاه الموضوعي بحاجة طبعاً إلى تحديد المدلولات التجزيئية للآيات التي يريد التعامل معها ضمن إطار الموضوع الذي يتبنّاه ، كما أنّ الاتّجاه التجزيئي قد يعثر في أثناء الطريق على حقيقة قرآنية من حقائق الحياة الأخرى ، ولكنّ الاتّجاهين على أيّ حال يظلّان على الرغم من ذلك مختلفين في ملامحهما وأهدافهما وحصيلتهما الفكرية . ومما ساعد على شيوع الاتّجاه التجزيئي للتفسير وسيطرته على الساحة قروناً عديدة النزعةُ الروائية والحديثية للتفسير ؛ حيث إنّ التفسير لم يكن في الحقيقة وفي البداية إلّاشعبة من الحديث بصورة وأخرى ، وكان الحديث هو الأساس الوحيد تقريباً مضافاً إلى بعض المعلومات اللغوية والأدبية والتاريخية ، كان هو الأساس الوحيد مضافاً إلى بعض هذه المعلومات التي يعتمد عليها التفسير طيلة فترة طويلة من الزمن . ومن هنا لم يكن بإمكان تفسير يقف عند حدود المأثور من الروايات عن الصحابة والتابعين وعن الرسول والأئمة ، الروايات التي كانت تثيرها استفهامات عقلية على الأغلب من قبل الناس ، من قبل السائلين ، لم يكن بإمكان تفسير يعتمد على هذه الروايات التي تستثار من قبل أسئلة عقلية من هذا القبيل ، لم يكن بإمكانه أن يتقدّم خطوة أخرى وأن يحاول تركيب مدلولات القرآن والمقارنة بينها واستخراج النظرية من وراء هذه المدلولات اللفظية . التفسير كان بطبعه تفسيراً لفظياً ، تفسيراً للمفردات ، لما استبدل من المفردات ، وشرح بعض المستجدّ من المصطلحات وتطبيق بعض المفاهيم على أسباب النزول ، ومثل هذه العملية لم يكن بامكانها أن تقوم بدور اجتهادي